مراسلة الادارة
من هنا

شاطر
اذهب الى الأسفل
avatar
محمد انوار

ذكر السمك النمر
مشآرڪآتي : 849
عُمرِـے• : 44
نِقاطے• : 5494
تاريخ التسجيل : 10/02/2010
http://www.google.com

ممتلكات الزوجين بعد الطلاق بين الفقه المالكي (النوازل السوسية) والفقه المعاصر (مدونة الأسرة المغربية)(1/4)

في الثلاثاء 15 يونيو - 2:11


مقدمة

تتبوأ الأعراف والعادات مكانة هامة في مجال سن التشريعات وتنظيم التجمعات البشرية، فبمرور الزمن تصير العادات أعرافا، وتكتسب هذه الأخيرة قوة ملزمة في التعامل بين الناس، وتضطلع بدور هام في تنظيم النسيج الاجتماعي، إذ تصطبغ بقوة القانون الملزم للأفراد والجماعات، كما أن لهذه الأعراف دورا مهما في تكييف النوازل المستجدة، وتلقي بضلالها على الفقيه فارضة وجودها على منهج تفكيره، إلا أنها قد تتضمن بعض التجاوزات لتعاليم الشرع ومقاصده الشرعية، بل قد تناقض بعض أحكام الشريعة (مسألة منع النساء من الإرث مثلا في النوازل السوسة).

وهذه الملاحظة لا تحول دون التعامل مع هذه الأعراف المضمنة في النوازل، فدراسة النوازل الفقهية تجعلنا نتلمس منهج الفقهاء في استنباط الأحكام للنوازل المستجدة تحت ضغط الواقع، بالإضافة إلى ما تتضمنه هذه النوازل من مادة فقهية وسياسية واجتماعية واقتصادية وتاريخية أيضا، تساعد على فهم المرحلة التي ألفت فيها وما وصل إليه العقل الفقهي من خلال تعامله مع النوازل المستجدة، التي تعكس المزاوجة الخلاقة بين النصوص الشرعية والواقع.

وإذا تصفحنا كتب النوازل نجد قضايا المرأة ووضعيتها ودورها في الأسرة والمجتمع، من خلال ما تقوم به وما تنجزه من أعمال تستلزمها الحياة اليومية داخل البيت أو خارجه، ومساهمة المرأة مع الرجل في تربية الأجيال وتنمية المجتمع وتسييره، تشكل حيزا مهما من مسائل النوازل، وتبرز العناية بالمرأة كذلك من خلال أحكام الجهاز والشوار والمهر، وأحكام الكد والسعاية….

ونظرا لانفراد كتب النوازل السوسية بهذا الموضوع الأخير-الكد والسعاية-، وما يكتنف حظ الزوجة العاملة وحقها في الممتلكات التي ساهمت فيها بعد الزواج -والذي يطلق عليه حق "الكد والسعاية" أوحق "الشقا" كما هو معروف عند فقهاء النوازل بسوس وغيره من البوادي- من غموض، فهذا الحق وإن لم ينظم تشريعيا كمؤسسة حقوقية قانونية إلا أنه يرجع فيه إلى العرف المحلي، وكتابات المتقدمين من الفقهاء، وقد أخذ به الاجتهاد القضائي وطبقته المحاكم في مجموعة من أحكامها، وحظي بموافقة المجلس الأعلى[i]، لذلك سنعمد إلى دراسة هذا الموضوع من خلال إبراز:

1-مفهوم السعاية ومشروعيتها.

2- موقف الفقه من "الكد والسعاية".

3-طريقة استخراج السعاية وما ينوب السعاة.

4-طبيعة السعاية.

5-موقف الفقه المعاصر (مدونة الأسرة المغربية).

أولا: تعريف السعاية:

تعريف السعاية لغة: السعاية من السعي "سعى، يسعى، سعيا…سعى إذا عدا، و…مشى، و…عمل، و…قصد، وإذا كان بمعنى المضي عدي بـ"إلى"، وإذا كان بمعنى العمل عدي بـ"اللام"، والسعي: القصد، قال الزجاج: السعي في كلام العرب التصرف في كل عمل، ومنه قوله تعالى:]وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى[[ii] معناه إلا ما عمل، والسعي الكسب، وكل عمل من خير أو شر سعي، والفعل كالفعل، وفي التنزيل: ]لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى[[iii] وسعى لهم وعليهم، عمل لهم وكسب….

وقوله تعالى:]فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ[[iv] أي أدرك معه العمل …والسعي يكون في الصلاح، ويكون في الفساد، قال تعالى: ]إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ[[v].

والمفرد: ساع، وجمعه: سعاة، والساعي الذي يقوم بأمر أصحابه عند السلطان، والجمع السعاة…يقال فلان يسعى على عياله، أي يتصرف لهم، واستسعى العبد كلفه من العمل ما يؤدي به عن نفسه، إذا عتق بعضه ليتعلق به ما بقي، والسعاية ما كلفه من ذلك…فسمي تصرفه في كسبه سعاية لأنه يعمل فيه…"[vi].

والسعاية كذلك بمعنى "الكد" سعى أي "كد" والكد لغة: الشدة والإلحاح والطلب[vii]، يقال كده لأهله كدها: كسب لهم في مشقة، وكده يكده، لغة: في كدح، يكدح، يقال: وهو يكدح لعياله، ويكده لعياله: يكسب لهم، ويقال كدهه الهم يكدهه كدها، إذا جهده"[viii].

أما السعاية اصطلاحا: "فهي مستفادهم من المال بعملهم وتنميته به"[ix] وأصل مشروعية السعاية قوله تعالى: ]وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى[[x] قال ابن كثير في تفسير الآية: "أي كما لا يحمل عليه وزر غيره كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه"[xi].

كما يستدل على مشروعيتها كذلك بقضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه لزوجة عمر بن الحارث حبيبة بنت زرق عمة عبد الله بن الأرقم، كانت نساجة طرازة ترقع الثياب والعمائم وهو تاجر وكل واحد يعمل بما عنده حتى اكتسبوا أموالا على الأصناف، فمات عمر وترك أقرحة وديورا وأموالا، فرفع أولياؤه مفاتيح الخزائن ونازعتهم حبيبة فخاصموا إلى عمر بن الخطاب فقضى لها بنصف المال وبالإرث في الباقي[xii].

من هذا يتضح كما قال الأستاذ أحمد إذ الفقيه "أن السعاية ليست بدعة ولا تقليعة من تقليعات عصر من العصور أو مجرد عادة لا يزكيها شرع، بل إن السعاية…تستمد سندها الشرعي من القرآن الكريم الذي يعتبر أسمى دستور إسلامي تستنبط منه الأحكام…"[xiii] وقضى بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه في نازلة حبيبة بنت زرق زوجة عمر بن الحارث.


[i] - أنظر نظام الكد والسعاية، نماذج من العمل القضائي المغربي الحديث، الحبيب المالكي، الطبعة الأولى 1999 / مطبعة دار السلام / الجزء الأول والثاني.

[ii] - سورة النجم، الآية: 39.

[iii] - سورة طه، الآية:15.

[iv] - سورة الصافات، الآية:102

[v] - سورة المائدة، الآية:33

[vi] - لسان العرب / مادة: "سعا" / المجلد: 1 / ص: 384 - 387 بتصرف، وانظر كذلك القاموس المحيط الفيروزآبادي، باب "الواو والتاء" فصل "السين" / ج: 4 / ص: 344 - 345

[vii] - القاموس المحيط / فصل "الدال" باب "القاف والكاف" / مادة: "الكد" / ج: 1 / ص: 344.

[viii] - لسان العرب / مادة: "كدا" / ج: 5 / ص: 3838 دار المعارف.

[ix] - في جواب لمحمد بن إبراهيم المزوار عندما سئل عن معنى السعاية، المنهل العذب السلسبيل شرح نظم أبي زيد الجشتمي لما لم يذكره الشيخان ابن عاصم وخليل للأزاريفي محمد بن أبي بكر، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1400 - 1980 / م: 2/ 232.

[x] - سورة النجم، الآية: 39.

[xi] - تفسير القرآن العظيم الإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي / ط. دار الجيل بيروت، ج: 4 / ص: 260.

[xii] - فقه النوازل في سوس، قضايا وأعلام، الدكتور الحسن العبادي، منشورات كلية الشريعة أكادير / رسائل وأطروحات جامعية رقم:5/ الطبعة الأولى 1420 - 1999 / مطبعة النجاح الجديدة / ص: 111-112 وانظر كذلك إشكالية الشغل النسوي المرأة العاملة والقانون الاجتماعي المغربي / أحمد إذ الفقيه / منشورات كلية الشريعة أكادير، رسائل واطروحات جامعية / الطبعة الأولى 1417 - 1996 / مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء / ص: 103.

[xiii] - إشكالية الشغل النسوي / ص: 123 - 124.

الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى